شبكة هنا الشام _ محمد الراضي في عصر الإعلام الرقمي، لم يعد الصحفي المستقل يواجه فقط تحديات الوصول إلى المعلومة أو قيود العمل الميداني، بل أصبح في مواجهة مباشرة مع آلة هجومية متكاملة تستهدف سمعته ومصداقيته. هذه الهجمات، التي تتغذى على الاستقطاب السياسي والخوارزميات الموجِّهة، تتجاوز حدود النقد المهني المشروع لتتحول إلى حملات منظمة تضرب في العمق. وإذا كانت هذه الظاهرة عالمية، فإنها تأخذ في الحالة السورية أبعادًا أكثر خطورة، حيث لا يقتصر الاستهداف على الصحفيين المعارضين أو العاملين في بيئات خارجية، بل يمتد أيضًا إلى الصحفيين الوطنيين المستقلين، وحتى إلى الحكومة السورية ومؤسساتها، عبر حملات إعلامية تستهدف تفكيك الثقة الشعبية وتشويه صورة الدولة في الداخل والخارج. --- حالة الصحافة في سوريا: بين الاستهداف الخارجي والاستقطاب الداخلي تواجه الصحافة في سوريا واقعًا مركبًا يتمثل في: البيئة القانونية والسياسية: رغم وجود مؤسسات إعلامية رسمية وخاصة، فإن حالة الحرب والعقوبات الخارجية خلقت فراغات إعلامية استغلتها منصات ممولة من الخارج. الهجوم المزدوج: يتعرض الإعلام السوري، سواء كان رسميًا أو وطنيًا مستقلًا، لهجوم من اتجاهين: 1 من مؤسسات إعلامية معارضة أو مرتبطة بأجندات دولية. 2 من منصات إقليمية ودولية تسعى إلى فرض روايات مغايرة. المنصات الرقمية كساحة حرب: تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى خطوط مواجهة متقدمة، حيث تُشنّ حملات تشويه ضد الحكومة، والقيادات، والشخصيات الإعلامية المؤثرة، بهدف ضرب ثقة الجمهور بمصادره الوطنية. هذه البيئة تجعل أي صحفي وطني أو مستقل، مثل قتيبة ياسين، عرضة لهجوم مضاعف: من الخصوم السياسيين، ومن شبكات الضغط التي تستهدف الحكومة السورية، لأنه يُنظر إليه كجزء من بنية إعلامية وطنية حتى لو كان يعمل باستقلالية تحريرية. --- الإطار النظري للظاهرة عالميًا وثّقت دراسات دولية هذه الظاهرة بشكل متزايد، نذكر منها: اليونسكو والاتحاد الدولي للصحفيين (2022): 73% من الصحفيات المشاركات تعرضن لعنف رقمي، و20% تلقين تهديدات بالقتل. الشبكة الأوروبية لمراكز حرية الإعلام (2024): سُجّل 359 هجومًا رقميًا على صحفيين خلال عام واحد، معظمها منظّم. مراسلون بلا حدود (2025): صنّفت سوريا ضمن الدول ذات "الوضع الخطر جدًا" لحرية الصحافة، مع بيئة عالية المخاطر للصحفيين المستقلين. معهد MIT (2023): المحتوى السلبي ينتشر بنسبة 70% أسرع من الإيجابي، ما يفسّر تضخيم الحملات السلبية ضد الصحفيين. --- الهجوم على الصحفيين الوطنيين والحكومة السورية في الحالة السورية، لا تُفرّق الحملات الإعلامية كثيرًا بين الصحفيين المستقلين الوطنيين والحكومة؛ فكلاهما يُصوّر كجزء من "آلة دعائية"، حتى في غياب أي ارتباط تنظيمي بينهما. وتخدم هذه الاستراتيجية هدفين رئيسيين: 1 إضعاف المصداقية: من خلال ربط أي صوت وطني بالرواية الحكومية، مما يسهل الطعن في مصداقيته أمام الجمهور. 2 تشويه صورة الدولة: من خلال استهداف كل ما يمثل البنية الوطنية – مؤسسات، إعلاميين، ومشاريع – بهدف خلق فراغ إعلامي تملؤه روايات بديلة وموجهة. --- دراسة حالة: قتيبة ياسين كنموذج في تحليل نشاط الصحفي قتيبة ياسين خلال 30 يومًا، تبرز المعطيات التالية: الوصول: 1.8 مليون مشاهدة التفاعلات: 320 ألف عدد التعليقات: 28,500 نسبة التعليقات السلبية: 44% (مقابل 16% لصحفي تياري – زيادة ×2.75) نسبة التعليقات العدوانية المباشرة: 12% (مقابل 3.4% – زيادة ×3.5) نسبة الحسابات المجهولة: 48% تكرار العبارات الهجومية: 31% معدل تضخيم الغضب (Rₜ): 1.7 قمم الهجوم: الأيام 4، 13، 26 (+280%) توزيع المنصات: X (تويتر سابقًا): 52% فيسبوك: 33% يوتيوب: 10% تيليغرام: 5% أنماط الخطاب الهجومي: تخوين: 38% اتهامات بالتمويل الخارجي: 27% طعن بالمهنية: 22% سخرية شخصية: 13% --- خلاصات الحالة تكشف حالة قتيبة ياسين عن ثلاث سمات رئيسية للهجوم الرقمي في السياق السوري: 1 الهجوم المزدوج: يستهدف الصحفي والحكومة في آنٍ واحد. 2 التنظيم العالي: للحملات الرقمية، مع توزيعها المتوازن عبر المنصات. 3 استثمار الخوارزميات: لنشر السلبية وتعزيز انتشارها بوتيرة أسرع من الخطاب الإيجابي. --- توصيات انطلاقًا من خبرتنا في تحليل الهجمات الرقمية، واستنادًا إلى ما ورد في الدراسات الدولية المتخصصة، نوصي بما يلي: للصحفيين: تعزيز الحماية الرقمية من خلال أدوات التحقق وتشفير البيانات. توثيق الهجمات المنظمة ورفعها إلى منصات الدفاع عن حرية الصحافة. بناء شبكات تضامن مهني، على المستويين المحلي والدولي، لتوفير الدعم المعنوي والقانوني. للحكومة السورية: الاستثمار الجاد في الإعلام الرقمي الوطني، كمصدر موثوق وسريع. تطوير آليات استجابة إعلامية فعالة تكشف طبيعة الحملات ومصادرها. دعم المبادرات الإعلامية المستقلة التي تحافظ على الخط الوطني دون تبعية مباشرة. للمجتمع والجمهور: رفع الوعي الجماعي بخطورة الأخبار الموجهة والحملات الممولة. تعزيز مهارات التفكير النقدي لدى مستخدمي المنصات الرقمية. دعم الإعلاميين الوطنيين المستقلين كجزء من منظومة الدفاع عن السيادة المعلوماتية.
التعليقات