شبكة هنا الشام _ فريق التحرير نحو 45 مليار دولار ودائع سورية موزعة في المصارف العالمية، وأكثر من 23 مليار دولار استثمارات في مصر، وما يقارب 10 مليارات دولار مودعة في لبنان، إضافة إلى 1,5 مليار دولار استثمارات في تركيا عبر آلاف الشركات، ومئات الملايين في الأردن… هذه ليست أرقام اقتصادات أجنبية، بل خريطة المال السوري الذي غادر البلاد خلال سنوات الثورة السورية . أموال ضخمة استقرت خارج الحدود، وأسهمت في تشغيل مصانع وأسواق وفرص عمل في دول أخرى، فيما تُرك الاقتصاد السوري يواجه الفراغ، والتضخم، وتراجع الاستثمار. لم يكن خروج الأموال من سورية تفصيلاً عابرًا في مشهد الحرب، بل شكّل أحد أخطر التحولات الاقتصادية التي أصابت بنية الدولة. فخلال سنوات الصراع، خرجت كتل مالية هائلة عبر مسارات معقّدة، بعضها قانوني في ظاهره، وكثير منها تم عبر شبكات تهريب وتحويلات غير رسمية، لتتحول سورية تدريجيًا من ساحة إنتاج واستثمار إلى مصدر نزيف مالي مستمر. التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن حجم الأموال السورية الموجودة خارج البلاد يفوق بكثير ما هو معلن رسميًا، خصوصًا مع وجود جزء كبير منها ضمن اقتصاد ظل عابر للحدود. فوفق بيانات مصرفية دولية، تصل الودائع السورية المعلنة إلى نحو 45 مليار دولار، وهو رقم يعكس فقط الجزء القابل للتتبع، دون احتساب الأموال النقدية أو الاستثمارات غير المسجّلة. في مصر، تدفقت رؤوس الأموال السورية منذ بداية الحرب بوتيرة متسارعة، لتصل قيمة الاستثمارات إلى نحو 23 مليار دولار، توزعت على قطاعات الصناعة والتجارة والعقارات. وفي تركيا، تأسست أكثر من 7,500 شركة سورية باستثمارات قُدّرت بنحو 1.5 مليار دولار، وأسهمت في خلق ما يقارب 100 ألف فرصة عمل، معظمها خارج الاقتصاد السوري. أما في لبنان، فقد اتخذ المال السوري شكلًا مختلفًا، حيث تركز بمعظمه على شكل ودائع مصرفية، قُدّرت خلال سنوات الثورة السورية بنحو 10 مليارات دولار، قبل أن تتأثر لاحقًا بالأزمة المصرفية اللبنانية. وفي الأردن، سُجّلت أكثر من 4,000 شركة سورية برؤوس أموال تجاوزت 310 ملايين دولار، معظمها في قطاعات خدمية وتجارية. هذه الخريطة المالية تعكس واقعًا واحدًا: الأموال السورية لم تختفِ، بل أعادت تموضعها خارج البلاد، وأسهمت في تحريك عجلة اقتصادات أخرى، بينما ترك غيابها فراغًا قاسيًا في الداخل. فقد تراجع حجم الاستثمارات المحلية، وأُغلقت منشآت صناعية، وتقلّصت فرص العمل، وارتفعت أسعار السلع والخدمات في سوق يعاني أصلًا من ضعف القدرة الشرائية. وفي موازاة ذلك، تكشف السجلات القضائية عن عشرات القضايا المتعلقة بتهريب الأموال، إلا أن هذه الملفات لا تمثل سوى الجزء الظاهر من الظاهرة. فالقسم الأكبر من الأموال الخارجة لم يُسجّل، ولم يخضع لأي مساءلة، وتحرك ضمن شبكات مالية غير رسمية، ما صعّب على الجهات الرقابية تقدير الحجم الحقيقي للنزيف. أمام هذا الواقع، برزت مؤخرًا إجراءات نقدية وُصفت بأنها غير تقليدية، تمثلت بحصر استبدال العملة داخل الأراضي السورية فقط. ورأى خبراء في هذه الخطوة رسالة مباشرة لأصحاب الكتل النقدية الموجودة في الخارج، مفادها أن الأموال غير الموجودة داخل البلاد لن تتمتع بأي غطاء قانوني مستقبلي، ما يضعها أمام اختبار صعب بين العودة أو المخاطرة بفقدان قيمتها القانونية. ويرى مختصون أن هذا الإجراء لا يهدف بالضرورة إلى استعادة الأموال فورًا، بقدر ما يسعى إلى رسم خريطة أوضح لتوزع الكتلة النقدية السورية بين الداخل والخارج، وكشف الحجم الفعلي للسيولة التي خرجت خلال السنوات الماضية. إلا أن نجاح هذه السياسة يبقى مرهونًا بعامل الثقة، وتوفير بيئة آمنة وواضحة تضمن عدم تعرّض الأموال العائدة لمفاجآت قانونية أو إدارية. من زاوية قانونية، لا تزال التشريعات السورية تتضمن نصوصًا صارمة بحق تهريب الأموال، تبدأ بإلزام المخالف بإعادة المبالغ، ولا تنتهي بعقوبات السجن والغرامات. غير أن التحدي الأساسي يكمن في تفعيل هذه القوانين وتسريع البت في القضايا، وتحويلها من نصوص معطّلة إلى أدوات ردع حقيقية. اليوم، يقف الاقتصاد السوري أمام واقع لا يمكن تجاهله: مليارات الدولارات التي خرجت خلال الحرب باتت لاعبًا مؤثرًا خارج الحدود، فيما الداخل يواجه آثار غيابها يوميًا. ومع غياب مسار واضح يعيد الثقة بين الدولة ورؤوس الأموال، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول هذه المليارات من نزيف صامت إلى فرصة عودة، أم تبقى شاهدًا على واحدة من أكبر هجرات المال في تاريخ البلاد؟
2026-01-11 18:22
صحيح